ابن يعقوب المغربي
517
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
النداء ( ومنها ) أي : ومن أنواع الطلب ( النداء ) وهو طلب الإقبال حسا أو معنى بحرف نائب مناب ادعو ، سواء كان ذلك الحرف ملفوظا كيا زيد ، أو مقدرا ( ك يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا ) " 1 " ولا يجزم الفعل بعده جوابا ؛ لأن مفاد الحرف ومدلوله أدعو ، وأما الإقبال فهو مطلوب باللزوم ؛ لأن الإنسان إنما يدعى للإقبال فليس فيه ما هو كالتصريح بالشرط كما في الطلب السابق ، بخلاف ما لو صرح بالفعل ، فقيل : أقبل ، جاز جزم الفعل بعده جوابا بأن يقال - مثلا - أعلمك ، وهذا مما يعلم به أن الشيء الضمني ليس كالصريح ، وأيا وهيا من حروفه للبعيد ، وقد ينزل القريب كالبعيد لغفلة أو نوم ، أو لتنزيل المنادى منزلة ذي غفلة لعظم الأمر المدعو له حتى كأن المنادى غافل فيه مقصر ، فيستعملان له فتقول - مثلا - هيا فلان تهيأ للحرب عند حضوره ، وأي والهمزة منها للقريب ، وقد ينزل البعيد كالقريب ، لحضوره في القلب ، فصار كالمشهود الحاضر كقوله : أحبيب القلب عنى لا تزول وأما يا منها فقيل : تكون لهما معا وقيل مختصة بالبعيد ، فلا تستعمل في القريب إلا لتنزيله منزلة البعيد ، إما لاستبعاد الداعي نفسه عن حال المنادى كقولنا : يا اللّه ، مع أنه أقرب إلينا من حبل الوريد ، إما لاستعظام الأمر المدعو له ، حتى كان المنادى مقصر في أمره غافل عنه - كما تقدم - كقولك : يا هذا قم على لسان الجد في أمر ربك ، ولو كان المنادى كذلك ، وإما للحرص على إقباله فصار إقبال المنادى كالبعيد ؛ لأن النفس إذا اشتد حرصها على الشيء صارت كل ساعة قبل وقوعه في غاية البعد ، فتقول : يا غلام بادر بالماء فأنا عطشان ، وإما لبلادته فكأنه بعيد لا يسمع ، فتقول : تنبه أيها الغافل ، وإما لانحطاط شأنه فكأنه بعيد عن مجلس الحضور ، فتقول : من أنت يا
--> ( 1 ) يوسف : 29 .